كتابـــات وآراء

«عبدالمغني» والقرار التاريخي لـ«عبدالناصر»

│بقلم | سام الغباري

ألصق الفتى الريفي النحيل رأسه إلى كرسي كبير من الجلد ، مُطلِقًا زفرة حارة وطويلة ، ثم أردف قائلًا : يجب أن تدفع بجيشك إلى اليمن لإسناد التحرك العسكري خلال أكثر من ٢٤ ساعة من لحظة الصفر ، دون ذلك ستفشل الثورة ! . ابتسم الرجل الضخم ، وشبك أصابعه على منضدة عريضة ، ومال برأسه إلى مُحدثه وكأنه يسمع أصوات قلبه المضطرب ، اتسعت ابتسامته وندت منه تمتمة لم يتبين لها الفتى الذي ازداد اضطرابه ، وجاء صوت الرجل عميقًا ساخرًا كمن يتحدث من جوفه : انت عايزني اقاتل معاكم في اليمن علشان انت خايف من القبائل اللي ممكن تجهض الثورة ! . وصمت برهة ، فيما تنحنح الرجل الانيق الواقف على يسار المنضدة : تسمح لي سيادتك ! ، قال الرجل الضخم : قول يا سامي ! ، ابتلع “سامي” ريقه وبدا منحنيًا كمن يسترق عطف سيده الضخم : انت عارف ان تجربة الثورات في اليمن مصيرها الفشل لأن اليمنيين انفسهم مايقبلوش التغيير بسهولة ويخافوا من ردة فعل النظام ، عشان كده “الملازم علي” بيشوف ان احسن حل هو اسناد الثورة بجيش قوي ومتطور يقدر يمنع أي احتمال للفشل ! . برقت عينا الفتى وهو يضيف بحماس : نعم هو ذلك ، واليمن ستظل مدينة لكم بهذا الجهد العربي العظيم مدى التاريخ !.. أعاد الرجل الضخم رأسه الى الوراء ودار بكرسيه نصف دورة يمينًا ويسارًا ، وكأنه يفكر قال بصوت خفيض : تبقى إزاي ثورة وانا احميها بسبعين ألف جندي مصري من اليمنيين انفسهم ؟ ، ران صمت طويل كأنه دهر ، والرجل الضخم يحدق في سقف الغرفة وقد شبك ذراعيه خلف رأسه يأز شفتيه مُحدثًا صوتًا كالصفير ، وكمن لدغته افعى ، انتفض “جمال عبدالناصر” واقفًا من كرسيه الأسود مضيفًا بصوت حاسم : دنتو عجايب يا أهل اليمن ، على بركة الله يا علي .

– تنهد “علي عبدالمغني” ، ونهض من فوره مبتسمًا بإجلال وقد تهللت أساريره مصافحًا الرئيس المصري بحرارة : ستكون ثورة عظيمة يكتبها التاريخ بأحرف من نور ، وسيدرك اليمنيون أنهم كانوا يعيشون في العصر الحجري ، وبفضلكم يا فخامة الرئيس سيعيش ابناء بلدي الحياة الحقيقية التي أرادها الله لهم . بادله “عبدالناصر” ابتسامة اعجاب ، وربت على كتفه بيده اليسرى قائلًا : باقي التفاصيل خلصوها مع انور السادات وسامي شرف .

وقبل أن يغادر غرفة مكتبه الرئاسي التفت الى “علي عبدالمغني” مضيفًا : قد أيه عُمرك يا علي ؟! ، ابتسم الفتى بتؤودة وقد علت وجهه حمرة خفيفة : عشرون عامًا يا سيادة الرئيس ! . عاد اليه “جمال عبدالناصر” واحتضنه بحنو كبير ، وامسك ذراعيه بشدة قائلًا بإعجاب وفخر : انت أمل اليمن يا “عبدالمغني” شاب زيك وفي عُمرك مكنش حيفكر في تحرير بلده من عنصرية الإمامة الوسخة إلا وهو بطل حقيقي نادر في زمن زي ده ! .. وبصوت متحشرج متأثر أضاف “جمال عبدالناصر” : وأنا معاكو بكل ما أملك ، عسكريًا وسياسيًا واعلاميًا . صمت “علي عبدالمغني” وقد أحرجته الكلمات مبهورًا أمام الرئيس المصري الذي ملأ الدنيا بزعامته وبطولاته وقوته وحضوره العربي والدولي ، كانت اللحظات حاسمة في القرار المصري لإقناعها بالتدخل لإنقاذ اليمن من حُكم وبطش الإمامة العنصرية وسلالتها الإفقارية .

التفت “علي عبدالمغني” بعينين متوثبتين إلى “سامي شرف” الذي اقترب ناحيته مهنئًا بذلك القرار التاريخي ، وهما يراقبان “عبدالناصر” الذي كان يغادر الغرفة الفسيحة إلى رواق طويل ، يهز رأسه متمتمًا مُحتارًا : عشرين سنه ، عشرين بس !

│المصدر - الخبر

أضف تعليقـك