أخبـار اليمن حوارات وتحقيقات

كيف أثّر الصراع على تعليم الأطفال ومستقبلهم في اليمن

│الخبر | فايز الضبيبي -ريمة

في ريمة: الحرب تجبر المعلمين والطلاب على ترك مدارسهم والبحث عن مصادر دخل لإعالة أسرهم

وجدت الطفلة خديجة محمد، المولودة في مدينة تعز في عام 2007، نفسها فجأة تعيش مع أسرتها في إحدى القرى الريفية بمنطقة بني الضبيبي التابعة لمحافظة ريمة-مسقط رأس والدها -ومجبرة على ترك الدراسة، والقيام برعي الأغنام، في إحدى المراعي المهجورة والبعيدة التابعة لمنطقتهم، لمساعدة أسرتها في توفير لقمة العيش.

بعد أن فرت أسرتها من جحيم الحرب التي اشتعلت في تعز، الى مسقط رأسهم في إحدى القرى الريفية في محافظة ريمة، تاركين منزلهم وأعمالهم ومدارسهم وكل ما يملكونه في مدينة تعز، وكانت الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من 6 سنوات “في نزوح أكثر من 4 ملايين شخص يمني”.

تحكي خديجة صدمتها بعد نزوحها مع أسرتها الى قريتها النائية والريفية وترك مدينتها ومدرستها في تعز بالقول “لم أكن أتخيل يوم ما أنننا ٍسنهجر منزلنا في مدينة تعز، وننتقل للعيش في قريتنا الريفية في ريمة، ونسكن في منزل جدي القديم والمهجور، التي لم نكن نعرفه من قبل ونسمع عنه فقط من سوى من حكايات جدتي، التي كانت تحكيها لنا قبل النوم، كجزء من مغامراتها وعذابتها في تلك المنطقة”.

تضيف ” ولم أكن أعرف أن القدر سيجعلني أخوض تلك المغامرات وأعيش ذلك العذاب بنفسي، وأنني سأفارق زميلاتي ومدرستي وأترك الدراسة الى الأبد، بعدما كنت أطمح أن أصبح دكتوره او مهندسة، وأن حلامي تلك ستصبح سراب بددتها الحرب اللعينة الدائرة في البلاد”.

بداية المعاناة

انتقل والد خديجة من قريته في بني الضبيبي بمحافظة ريمة، مع والده وأسرته الى مدينة تعز قبل أكثر من 35عام، للسكن بعد أن حصلوا فيها على فرصة عمل، وفيها تزوج والد خديجة من امرأة قريبة له، أنجبت له خديجة وأربعة أخوة أخرين، حدث بعد ذلك خلاف بين والدها ووالدتها، أنتهى بالطلاق….

 رحلت والدة خديجة تاركة صغارها ال 5لزوجها، الذي تزوج امرأة أخرى من مدينة تعز، كانت في سنه ثانية جامعة، اضطرت أن توقف دراستها بعد الزواج، للتفرغ لتربية أولاده الخمسة…والقيام بواجبها تجاه زوجها.

 وبعد أن وصلت الحرب الى مدينة تعز، وتعرضت المدينة للحصار الخانق، اضطر والد خديجة الهروب مع أسرته من الحرب، تاركا منزله وعمله في تعز، الى مسقط رأسه في ريمة، الذي لم يعد له فيه سوى منزل قديم، ومزارع قد صلبت وتحولت الى مراعي للأغنام.

وفي القرية وجدت الأسرة منزلهم القديم شبه مدمر، فقاموا بترميمه وإصلاح ما تدمر منه، وسكنوا فيه، ولأنه لا يوجد مصدر دخل في تلك المناطق الريفية، سوى الرعي والزراعة……فقد قام والد خديجة بشراء قليل من الأغنام، وأوكل مهمة رعيها الى خديجة، التي تركت المدرسة بسبب ذلك، فيما زوجته بنت مدينة تعز، وطالبة الجامعة التي لا تعرف حياة الريف ولم تمارسها من قبل، قامت بهمة جمع الأحطاب وجلب والمياه وإدارة شؤون المنزل. وفق والد خديجة

رحلة النزوح والشتات

تخرج خديجة من منزلها في الصباح الباكر من كل يوم، تسوق أغنامها نحو مراعي المنطقة المقفرة والبعيدة، حاملة معها قنينة الماء وقطع من الخبز الناشف، وهو زادها طوال ذلك اليوم الموحش والشاق، والتي تبقى فيه ترعى الغنم تحت حرارة الشمس القارسة، وتجمع الأحطاب والعلف الى أن يدنوا المغرب، لتعود مع غنمها محملة بالحطب والعلف التي ظلت تجمها طوال اليوم.

تقول خديجة “أعود كل يوم من المرعى بعد يوم شاق وموحش، وبمجرد وصولي الى المنزل ينجلي تعبي وتزول وحشتي، لكن وحشة المدرسة التعليم الذي تركته لايزال كابوس يخيم على حياتي، وهاجس يزورني في كل لحظة ومع كل وجع أو تعب أقاسيه في رحلة الرعي، أتذكر فيه مدرستي وزميلاتي التي أصبحن اليوم في مرحلة متقدمة من التعليم، وأنا ما زلت في مرحلة ربط الحروف وجمع الأعداد البسيطة، التي كد أنساها تماما….”.

خديجة ليست الطفلة الوحيدة التي تسببت الحرب الدائرة في البلاد في تركها للمدرسة وتوقفها عن التعليم في محافظة ريمة، ووفق إحصائية رسمية لإدارة تعليم الفتاة في مكتب التربية في ريمة، “فقد تم في عام 2018م تسجيل حوالي 17858 من الفتيات اللواتي تركن فصول الدراسة في المحافظة”.

الجبهات بديلا عن المدارس

كما أنها ليست الوحيدة من إخوانها التي تركت الدراسة وذهبت للرعي، فجميع إخوانها الأربعة اضطروا الى ترك الدراسة، والذهاب للبحث عن عمل ومصادر دخل في المدن اليمنية، لمساعدة والدهم في تدبير مصاريف المنزل، وشراء العلاج الخاص به الذي يستخدمه باستمرار.

يشكو والد خديجة وضعه الصحي والأمراض التي أصبح يعانيها ” أعاني من أمراض عصبية وصرع يعادوني بين الحين والآخر، تسبب لي بأمراض والآم مختلفة في جسمي، وعمل ثلاث عمليات جراحية مختلفة، خلال الخمس السنوات الأخيرة، لإنقاذ حياتي من تلك الأمراض”.

يواصل حديثة متحسرا على ترك أولاده للتعليم ” وبسبب الوضع التي تعيشه البلاد والأمراض التي أعاني منها، وصلت الى مرحلة لا أقدر فيها على تدبير لقمة العيش لأسرتي، ولا قيمة العلاج الضروري الذي استخدمه بشكل دائم، مما اضطرني الى توقيف أولادي الخمسة الذي يبلغ عمر أكبرهم 17 عام فيما أصغرهم 10سنوات عن الدراسة، وارسالهم للعمل في المدن والرعي في مراعي المنطقة، لمساعدتي في تدبير المعيشة وشراء الدواء الذي أحتاجه”.

ما يزيد من حسرت والد خديجة هو استغلال أولاده الذين ذهبوا الى المدن للعمل “حيث تم تجنيد أثنين منهم ضمن القوات والجماعات المسلحة، والزج بهم في الجبهات والمواجهات الدائرة في البلاد.

 أحدهما تم تجنيده ضمن القوات العسكرية التابعة لحكومة الشرعية في محافظة تعز، والأخر ضمن القوات المسلحة التابعة لجماعة أنصار الله في صنعاء، رغم أن كليهما لم يبلغ السن القانوني “.

أحمد ذو17عام ومحمد ذو 15عام، كانوا ضمن مجموعة كبيرة من الأطفال في اليمن، تم تجنيدهم والزج بهم في الحرب الدائرة في البلاد، “حيث تم تجنيد أكثر من3,600طفل، في اليمن ضمن القوات والجماعات المسلحة خلال الفترة ما بين مارس 2015وفبراير 2021”. وفق اليونيسف

البحث عن سبل العيش

ويشير تقرير اليونيسف التي أطلقته المنظمة مؤخرا الى أنه بسبب الصراع الدائر في البلاد أصبح “ما يقدر بنحو 171,600معلم ومعلمة أو ثلثي العاملين في مجال التدريس في اليمن -لم يتسلموا رواتبهم بشكل منتظم لمدة أربع سنوات، وبالتالي التوقف عن التدريس لإيجاد سبل أخرى لإعالة أسرهم”.

وفي ريمة ترك أغلب المعلمين من أبناء المحافظات الأخرى الذين كانوا يعملون في مدارس ريمة، ويغطون فيها أغلب المواد التخصصية، مدارسهم في ريمة، وعادوا الى مدنهم ومناطقهم، بعد أن عجزوا في البقاء في تلك المدارس من دون رواتب.

كما أضطر عشرات المعلمين من أبناء المحافظة الى التوقف عن التدريس، عندما توقفت مرتباتهم، وذهبوا يبحثون عن أعمال ومصادر دخل أخرى، يعيلون بها أسرهم، بعد أن كانت تلك الوظيفة هي مصدر دخلهم الوحيد في البلاد.

فيما توقف مئات الطلاب من أبناء المحافظة عن التعليم وتركوا مدارسهم، عندما وجدت أسرهم أنها عاجزة عن تعليمهم وتوفير متطلباتهم الدراسية لهم، وتدبير احتياجاتهم المعيشية ايضا، فاضطرت الى توقيفهم عن التعليم، وأرسالهم الى المدن للعمل والبحث عن مصدر دخل، لإعالة أسرهم وتوفير لقمة العيش لهم، بعد أن تسببت الحرب الدائرة في البلاد في تدهور الوضع المعيشي لغالبية اليمنيين وإدخال اليمن في أسوء أزمة إنسانية في العالم “.

الى ذلك نزحت عشرات الأسر في العديد من المناطق الريفية والنائية بريمة، الى العاصمة والمدن الرئيسية في اليمن، منذ بداية الحرب، بحثا عن الخدمات وسبل العيش في المدن اليمنية، التي تفتقر اليها مناطقهم.

مدارس خاوية وصفوف معطلة

وقد أدى ذلك الى تدهور التعليم بشكل كبير في ريمة، كادت بعض المدارس أن تغلق أبوابها وتتوقف عن التعليم، فيما تم الغاء التعليم في المراحل المتوسطة والثانوية في العديد من مدارس في المحافظة، بسبب قلة أقبال الطلاب على التسجيل في تلك المراحل الدراسية، وعدم توفر المدرسين فيها.

وكان والد عبد الرحمن حسن وهو طالب في إحدى المدارس الأساسية والثانوية في منطقة بني الضبيبي-ريمة “قد أضطر بداية هذا العام الدراسي الى نقل ولده الذي أصبح في الصف السابع أساسي، الى العاصمة صنعاء للدراسة في إحدى المدارس الأهلية، حيث سيعيش في منزل أحد اقرباءه هناك ويواصل تعليمه، وذلك خوفه من عدم استمرار التعليم في المرحلة المتوسطة والثانوية في المدرسة”.

يأتي هذا “بعد أن كان مدير المركز التعليمية في المنطقة، قد حذر إدارة المدرسة العام الماضي، من أنه سيلغي مرحلة التعليم المتوسط والثانوي في المدرسة، لقلة عدد الطلاب المسجلين في تلك الصفوف، وعدم انتظام التدريس في تلك الصفوف”. حسب أحد المعلمين في المدرسة

ويشير المعلم الى أن “عدد الطلاب التي كانت تستقبلهم المدرسة كل عام، قبل بدأ الحرب الدائرة في البلاد، يزيد عن 500 طالب وطالبة في كل المراحل الدراسية، كما أنها كانت تمثل إحدى أكبر المدارس الأساسية والثانوية في المنطقة، في حين أصبح عدد الطلاب فيها بالسنوات الأخيرة لا يزيد عن 100 طالب وطالبة في أحسن الأحوال، واصبحت مهددة بإلغاء التعليم المتوسط والثانوي فيها “.

وهو “ما حدث في أكثر من مدرسة في المنطقة، منذ بداية الحرب الدائرة في البلاد، حيث تم الغاء مرحلة التعليم الثانوي والمتوسط في أكثر من مدرسة مجاورة، والذي قد يهدد بانقراض التعليم الثانوي والمتوسط في المنطقة، والعودة الى ما كان عليه بداية وصول التعليم الى المنطقة في سبعينيات القرن الماضي، حيث بدأ التعليم في المنطقة بنشاء المدارس الابتدائية فقط، ومن كان يريد مواصلة التعليم الثانوي من أبناء المنطقة، يضطر الانتقال الى صنعاء أو الحديدة أو مركز الناحية “المحافظة حاليا”…”. وفق علي مقبل وهو أحد المعلمين القدماء في المنطقة الذي أضطر الى التنقل داخل المحافظة وخارجه للدراسة في سبعينيات القرن الماضي.

 حسن إبراهيم لم يكن الوحيد الذي اضطر الى نقل ولده الى صنعاء لمواصلة تعليمه المتوسط “فهناك ثلاثة طلاب من زملاء ولدي عبد الرحمن بالمدرسة نفسها، اضطرت أسرهم الى أرسالهم للسكن مع أقارب لهم في صنعاء والحديدة، ومواصلة تعليمهم في مدارس خاصة في تلك المدن “. وفق حسن ابراهيم

تعليم هش وشهادات مزور

وعن مصير بقية زملاء عبد الرحمن حسن الذين وصلوا الى المرحلة المتوسطة في المدرسة يفيد أحد المسؤولين في المركز التعليم بالمنطقة بالقول “سيضطر البعض منهم الى التسجيل بنظام الانتساب في تلك المدرسة أو المدارس المجاورة، والبعض سيتركون التعليم بالمرة، وخاصة البنات حيث تكتفي الكثير من الأسر في المنطقة بتعليم البنات في المراحل الدراسية الأولى فقط، لتتفرغ بعدها لمساعدة أمها في أعمال المنزل والاستعداد للزواج، أما الأطفال فسيتوجهون نحو المدن للبحث عن عمل، لمساعدة أسرهم في توفير احتياجاتهم الأساسية “.

ومحاولة لتغطية العجز التي تواجهه العديد من المدارس بريمة، في عدد الطلاب وعدم توفر المدرسين فيها، وخاصة في المراحل الدراسية المتوسط والثانوية “”12-7، قام بعض مدراء المدارس بفتح التسجيل فيها بنظام الانتساب، ما حول بعض المدارس الى سمسرة لبيع وشراء الشهادات.

 وكان مدير المركز التعليمي بمنطقة بني الضبيبي، المعين حديثا، “قد فاجأ الطلاب ومدراء المدارس العام الماضي، بإلغاء نظام الانتساب في كافة الصفوف التعليمية بمدارس المنطقة، وأسقط كافة أسماء الطلاب الذين تم تسجيلهم بنظام الانتساب من كشوفات الامتحانات النهائية، وهو ما أحدث ضجة كبيرة في المديرية، وتعرض لحملة ضغوطات كبيرة، لكنه لم يخضع لتك الضغوطات“.

 “وقد كشف ذلك القرار حجم الكارثة، حيث وصل أعداد الطلاب الممتحنين نهاية العام الدراسي الماضي، في بعص الصفوف الدراسية الى صفر، فيما وصل مجموع عدد طلاب الذين دخلوا الامتحانات النهائية، الى نصف العدد الكلي للمسجلين في كشوفات العديد من المدارس”.  وفق مسؤول في المركز التعليمي

إنقاذ التعليم في اليمن

يفيد تقرير لليونيسف أطلقته مؤخرا تحت عنوان عندما يتعرقل التعليم (تأثير النزاع على تعليم الأطفال في اليمن) أنه “في الوقت الراهن هناك ما يربو على مليوني طفل (فتيات وفتيان) في سن الدراسة خارج المدارس بسبب الفقر والنزاع وانعدام فرص التعليم في اليمن.

ويعتبر هذا الرقم أكثر من ضعف عدد الأطفال الذين لم يلتحقوا بالمدارس في العام 2015حيث بلغ عددهم حينها 890,000طفل.


ويشير التقرير الى أن “من بين الأطفال الذين لا يذهبون إلى المدرسة في اليمن، دفعت الحرب أكثر من 400,000طفل للخروج من المدارس بشكل مباشر، وتسببت بتضرر 2,507مدرسة أو استخدمها النازحون للحصول على مأوى أو سيطرت عليها جماعات مسلحة”.

ودعا التقرير” جميع أطراف النزاع وقف الهجمات على المدارس وأماكن التعليم، وعدم إلحاق الأذى بالأطفال وموظفي التعليم، والحفاظ على المدارس كمناطق آمنة للتعليم.
كما دعا التقرير ” الجهات التعليمية في جميع أنحاء اليمن ضمان استلام المعلمين والعاملين في مجال التعليم لرواتبهم حتى يتمكنوا من أداء مهامهم
الأساسية ويتمكن الأطفال من الاستمرار في حصولهم على التعليم”.
وطالب التقرير” المجتمع الدولي بتقديم الدعم لبرامج التعليم من خلال توفير التمويل الفوري والمرن وعلى المدى الطويل، بما في ذلك دعم الحوافز المالية للمعلمين”.

│المصدر - الخبر

أضف تعليقـك