كتابـــات وآراء

رمضان

│بقلم | إسماعيل الشريف

«الصبر نصف الإيمان، والصوم نصف الصبر»، حديث شريف.
ما أصعب صيام هذا العام، مرض وفقر وموت وحظر وحجر! كم منا أصبح بلا دخل أو تآكل معظمه؟!
ولكن مع هذا ففضل الله علينا عظيم، سنصوم بعد تحري القمر، وستجرى احتفالية بهذه المناسبة، وستضرب المدافع، وسنتبادل التهاني، وخلال الشهر سنحرص على مراقبة الهلال يوميًّا إلى أن يختفي ثم يظهر إيذانًا بالعيد، وسنعبد الله جهارًا نهارًا.
قد ترى هذا من المسلمات البديهية البسيطة!
ولكن مهلًا… فهل تعلم عزيزي القارئ أن المسلمين قد صاموا لمدة اثني عشر عامًا بدون مشاهدة الهلال؟ فقد غاب القمر تمامًا في العام 1110 ميلاديًّا أي عامي 504 و505 للهجرة ولم يكن بالإمكان مشاهدته، ولم يستطع أحد تفسير هذه الظاهرة، فطافت الرسل في العالم المعروف آنذاك، لمعرفة إذا ما إذا كان القمر يشاهد في مكان ما، وعاد الرسل خائبون. في ذلك العصر كان معظم الناس يردون مثل هذه الظواهر إلى السحر والشعوذة، لك أن تتخيل كيف صام المسلمون بدون هلالهم، صاموا وهم غير متأكدين إن كان صيامهم صحيحًا، تصور معي الخوف وعدم اليقين، وحتى أيامنا هذه لم يجد العلماء تفسيرًا أكيدًا لهذه الظاهرة.
وأحمد الله أنني لم أولد «مورسكيًّا»، وهو الاسم الذي أطلق على العرب الأندلسيين المسلمين بعد سقوط الأندلس، والذين فرضت عليهم محاكم التفتيش ترك الإسلام، وتعرضوا لأكثر الأساليب وحشية حتى يتركوا دينهم، فكانت المحاكم ترسل الجواسيس على الجبال لمراقبة متحري الهلال، وكانوا يحققون مع الأطفال لمعرفة إذا ما كان آباؤهم يصومون، كذلك أحمد الله أنني لست إيغوريًّا صينيًّا ممنوعًا من ممارسة شعائري الإسلامية، أو عشت إبان الاتحاد السوفييتي حين هُجِّر الناس من وطنهم بسبب ديانتهم.
فمن نعم الله علينا أننا في وطننا ننعم بالأمن والأمان ونمارس شعائرنا بمنتهى الحرية.
وأحمد الله أنني لست في بلاد المجاعات والكوليرا وأطفالي يموتون أمامي بقنبلة، أو أن أصدقائي وأقربائي في السجون أو قد فروا من أوطانهم.
وقد تختلف معي في هذا، ولكنني أتخيل ذعر الجند في معارك رمضان، أتخيل الصحابة في معركة بدر وهم ثلاثمائة في مواجهة ألف مشرك، أو جيش المماليك في طريقه لمقارعة أقوى قوة عسكرية في ذلك الزمان، المغول، بعد عامين فقط من سقوط الخلافة، أو كنت جنديًّا مع طارق بن زياد حين أحرق سفنه وبدأ التوغل في بلاد مجهولة، أو شاركت في معركة بلاط الشهداء في فرنسا، التي كانت إيذانًا بنهاية الإسلام في أوروبا.
أحد أهم دروس رمضان أنه يعلمنا الصبر، فما بالك بمشاكل حياتية بسيطة مقارنةً مع مسلمين آخرين عاشوا ويعيشون في بلاد وأزمنة أخرى، فما نواجهه بعض من صعوبات الحياة وبقايا المرض وكثير من الأمل.
وقد نتعلم درسًا آخر من هذا، أن نمنع أي ظلم على أصحاب المعتقدات الأخرى كما عانينا ونعاني من الظلم في أزمنة وبلاد أخرى!
وكل عام وأنتم بخير.

أضف تعليقـك