أخبـــار وتقـاريــر أخبـار اليمن

اتهام للحوثيين بتحويل الإغاثة إلى أداة استقطاب وتلميع

│الخبر | متابعات

لم تكتف الميليشيات الحوثية بنهب موارد الدولة في صنعاء وبقية مناطق سيطرتها وتسخيرها للمجهود الحربي وتثبيت أركان الانقلاب وشراء الولاءات، ولكنها امتدت بشكل آثم إلى كل أنواع الدعم الدولي والإنساني المقدم لمساعدة اليمنيين لتحويله إلى أدوات للاستقطاب والتحشيد وتلميع صورة الجماعة وقادتها وزعيمها وفكرها الطائفي.
في الرابع من سبتمبر الماضي تعثرت كل توسلات المواطن «إبراهيم. ج» (50 عاما) وهو يطرق أبواب المشرفين الحوثيين في مديرية عبس في محافظة حجة من أجل إدراجه في قوائم المستحقين للسلال الغذائية، غير أن مسؤولي الجماعة فيما يعرف بـ«الهيئة الوطنية لتنسيق الإغاثة» رموا بتوسلاته عرض الحائط.
يقول إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «رفض مندوب الهيئة إدراج اسمي في كشف المساعدات مع أنني نزحت من مديرية حرض مع بداية الحرب، وطلب مني مقابل الحصول على الموافقة إرسال ابني محمد في الثانوية العامة إلى معسكر لاستقبال المجندين الحوثيين».
ويؤكد مراقبون حقوقيون أن أغلب النازحين والأسر التي فقدت مصادر دخلها في مناطق سيطرة الجماعة تعرضوا للمساومة نفسها، بعضهم يرفض وبعضهم يوافق مضطرا على الرضوخ من أجل إشباع أفراد أسرته من خلال الحصول على سلة غذائية كل شهر عن طريق المنظمات المحلية الوسيطة التي أنشأتها الجماعة تحت إشراف «الهيئة الوطنية للإغاثة» التي يديرها من صنعاء بشكل فعلي القيادي الحوثي في الجماعة أحمد حامد المعين مديرا لمكتب رئيس مجلس حكم الانقلاب مهدي المشاط.
وفي هذا السياق نفسه تفيد مصادر حقوقية وناشطون في صنعاء بأن الميليشيات الحوثية بدأت مرحلة جديدة من مراحل السيطرة على المساعدات الإغاثية الدولية من خلال عملية تسجيل بيانات جديدة للمستفيدين متجاهلة جميع الكشوف المعتمدة سابقا من قبل المنظمات الدولية التي تم إقرارها عبر عمليات بحث وتقص من الفرق الميدانية لهذه المنظمات.
وبحسب المصادر، تسعى الجماعة الحوثية إلى إحكام قبضتها أكثر على عملية توزيع المساعدات وبما يضمن لها استثمارها في استقطاب المجندين والأتباع، وبخاصة في المناطق الأكثر تضررا ومعاناة مثل مناطق محافظات حجة والحديدة والمحويت.
وكان برنامج الأغذية العالمي اتهم الجماعة الحوثية صراحة بالفساد ونهب المساعدات الإنسانية وهو العمل الذي وصفه البرنامج بأنه «سرقة للطعام من أفواه الجوعى» وهي الاتهامات التي تسعى الجماعة الحوثية وقادتها في صنعاء للتنصل منها على رغم الأدلة الدامغة عليها.
وعلى صعيد آخر، التفتت الجماعة الحوثية إلى استثمار التمويل الدولي المقدم سواء عبر صندوق النقد الدولي أو عبر منظمات الأمم المتحدة الأخرى، لتلميع صورة الجماعة كما استثمرته لإطالة أمد الحرب عبر الاستفادة من هذا التمويل في منح الجماعة سببا لاستمرار الصمود وعدم انهيار المؤسسات الخاضعة لها في صنعاء.
ومن هذه الأمثلة إعلان الجماعة عبر مصادرها الرسمية قيام القيادي فيها والرجل الثالث محمد علي الحوثي بزيارة محافظة المحويت (غرب صنعاء) والزعم أنه قام بافتتاح ووضع حجر الأساس رفقة وزير الانقلاب للمياه والبيئة نبيل الوزير ومحافظ الميليشيات في المحويت فيصل حيدر لـ66 مشروعا في مجال المياه والإصحاح البيئي بالمحويت.
وبحسب مصادر محلية تحدثت مع «الشرق الأوسط»، فإن أغلب المشاريع المعلنة بتمويل من منظمات دولية وأممية وليس بتمويل سلطات الانقلاب، وتشمل توريد وتركيب وحدات ضخ وترميم وصيانة خزانات المياه الخرسانية بالإضافة إلى تأهيل شبكات الضخ في المديريات مع إعادة تأهيل بعض خطوط شبكة الإسالة وبناء وتشييد خزانات مائية لحصاد مياه الأمطار وخزانات أرضية مع تنفيذ مشاريع وتدخلات عاجلة في مجال الصرف الصحي في عدد من المديريات مثل حفاش والرجم والخبت.
غير أن سعي الميليشيات إلى تلميع صورتها في أوساط السكان المحليين جعلها تدفع بمحمد علي الحوثي إلى زيارة محافظة المحويت وتصوير الأمر أن هذه المشاريع من بركات الانقلاب الحوثي، وهو ما يعني إرغام السكان على التجنيد وتقديم القوافل لإسناد المجهود الحربي.
ويتحدث أحد المهندسين في صنعاء مع «الشرق الأوسط» عن عملية الاستغلال الحوثية للمشاريع الممولة دوليا في صنعاء والمقدرة بملايين الدولارات، مؤكدا أن المناقصات يتم إرساؤها عادة على مكاتب هندسية يملكها حوثيون كما يتم إرساء أعمال الإنشاء سواء للجسور أو رصف الطرق على مقاولين حوثيين أيضا.
وتتولى السلطات الانقلابية في صنعاء بقيادة عناصر حوثية منخرطة في مشروع الجماعة الطائفي، عملية الإشراف والتنفيذ لهذه المشاريع والترويج الإعلامي أن ما ينجز جاء بفضل سياسات الجماعة وحرصها على السكان وخدمتهم.
ويستغرب ناشطون في صنعاء من أولوية الحالات الإنسانية لدى المجتمع الدولي، ويقول أحدهم لـ«الشرق الأوسط» لا نعرف أيهما أولى بالاهتمام مئات الآلاف من السكان الذين يحتاجون إلى الطعام والدواء أم تقديم أموال للحوثيين لرصف الشوارع بالحجارة أو إقامة مشاريع تدر دخلا على قادة الميليشيات.
ويستشهد الناشطون بقيام الجماعة الحوثية بتحصيل فواتير المياه من السكان في حجة وصعدة وصنعاء، على الرغم من أن أغلب هذه المشاريع مولتها المنظمات الدولية، وتتكفل بتقديم الوقود والصيانة لها، في حين يقتصر دور قادة الميليشيات على جني الأرباح وقطع إمداد المياه وسد مجاري الصرف الصحي عمن يرفض دفع الفواتير.
ويقول مسؤولون في الحكومة الشرعية إن معظم هذه المشاريع في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية يتم التعامل بشأنها مباشرة مع سلطات الانقلاب، ولا تخضع للتشاور مع الجهات المعنية في حكومة الشرعية، ويؤكدون أن هذه المنظمات والجهات الدولية تتحمل مسؤولية الانحراف بالدعم المقدم إلى جيوب الحوثيين بدلا من أن يتم توجيهه إلى مصلحة السكان بشكل مباشر.
وفي مدينة الحديدة التي تتشبث الجماعة بها وترفض حتى الآن تنفيذ الانتشار العسكري والأمني منها، أفادت مصادر محلية بأن الميليشيات قررت هذا الأسبوع إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء التي تتلقى دعما أمميا بالوقود، وقامت بتأجيرها لموالين لها بمبالغ ضخمة ليقوموا بدورهم بتوفير الخدمة للسكان بأسعار مضاعفة.
ومع انتشار موجة الكوليرا في صنعاء وغيرها من المناطق بسبب فساد الميليشيات، يذكر كثير من أقارب المرضى الذين تحدثوا «إلى الشرق الأوسط» أنهم لم يتلقوا أي علاج مجاني، وأنهم يدفعون قيمة الأدوية والمحاليل الطبية على الرغم من توفيرها من قبل المنظمات الأممية بالمجان.
واتصالا بالسلوك الحوثي نفسه الذي يستغل الدعم الدولي على كل الأصعدة، كانت الجماعة حولت مشاريع «الفاو» إلى وسيلة لتلميع صورتها، حيث بات الدعم الأممي المقدم للمزارعين واجهة تتحدث عن رئيس مجلس حكمها الصريع صالح الصماد، عبر إطلاق جوائز سنوية باسمه تمنح لأفضل المزارعين.
سلوك الجماعة الحوثية في استثمار الدعم الدولي والأممي لم يقتصر على محافظة أو مدينة بعينها ولكنه امتد إلى صعدة وعمران وذمار، كما لم يركز على قطاع دون آخر، وصولا إلى سلال الغذاء التي تطبع في جوانبها شعارات الجماعة من قبيل «يد تبني ويد تحمي».
ويؤكد مراقبون للشأن اليمني أنه كلما استطال أمد الانقلاب اكتسبت الجماعة الحوثية أدوات جديدة تقوم بتطويعها لترسيخ وجودها الانقلابي، واستكمالا لـ«حوثنة المجتمع» والمؤسسات، وصولا إلى التمكين لأفكارها الطائفية واتساع الكتلة البشرية المؤيدة لمشروعها الإيراني.

أضف تعليقـك