أخبـار اليمن هـــام

قتل المنافس المحتمل داخل الجماعة من طهران إلى صعدة.. شريعتي والصدر، المتوكل وشرف الدين والخيواني والمحطوري

الدكتور المرتضى المحطوري قبل اغتياله

│الخبر | صنعاء

منذ ابتكر الحوثيون تهمة (داعشي) ضد خصومهم وشرعوا في استخدامها بالتزامن مع معارك حاشد وعمران مطلع 2014، قامت الجماعة بتصفية الكثير من رموزها وقياداتها وإلقاء التهمة، غالبا، على تنظيم داعش الذي ليس له وجه يمكن التحقق منه، حتى قبل وصول أياديه الغامضة إلى اليمن، وهذه السياسة لتصفية الرؤوس غير المرغوب فيها ليست اختراعا حوثياً في الواقع، بل هي درس شروط البقاء من ثورة الخميني وحزب الله، كما سيتضح في سياق هذه المادة.

إذا أظهرت أية شخصية منضوية في إطار الجماعة ميولا فكرية مختلفة عن الفكر الإجباري الذي يتم تكريسه في الخطاب العام لها، أو تمتعت بكاريزما ونفوذ أكبر من المسموح به، أو أبدت مرونة تجاه الأطراف الأخرى من الخصوم والحلفاء على السواء، فإن التخلص منها يصبح واردا بقوة شأن أية عصابة تتوجس خيفة من بعض أعضائها.

هذه السياسة تستهدف دائما الشخصيات الأكثر مرونة والأقل تشددا، أي التي تتمتع بقبول نسبي من الأطراف الأخرى والرأي العام، بحيث يعمل اغتيالها على جلب تعاطف الشارع مع الجماعة من جهة، وعلى تعزيز تماسكها الداخلي باستشعار القيادات الأخرى خطر التصفية التي تلقى دائما على خصوم الجماعة لتعزز فكرتها التي قدمتها لأعضائها عن خصومها، وتمنع إظهار أية مرونة تجاه الآخر لتعزيز تشدد قياداتها بما يخدم الهدف العنصري لها، وفي النهاية فإن هذه الاعتبارات مجرد أرباح إضافية من استثمار قتل أية شخصية، إلى جانب الهدف والمكسب الحقيقي وهو إزاحتها من أمام القيادات العليا التي تشعر بخطر وجود شخصيات ذات تأثير على مستقبلها ومصالحها، فكلما قربنا العدسة من مشهد وتركيبة الجماعة ندرك حجم التباينات والخلافات داخلها.

بمراجعة قائمة أسماء الشخصيات الحوثية التي تم اغتيالها/ تصفيتها خلال السنوات الأخيرة، نرى أن شخصية مثل الدكتور أحمد شرف الدين، الذي اغتيل وهو في طريقه للتوقيع على وثيقة ضمانات تنفيذ مخرجات الحوار، بعكس ما قالت قيادات حوثية أنه رفضها حينها، تمتعت برؤية تنويرية لطبيعة الدولة المنشودة في اليمن، وأنه كان يرفض الدولة الدينية ويدعو للدولة المدنية التي يحكمها القانون، وهذا الخطاب يتناقض مع خطاب جماعته عن طبيعة الدولة الذي يقوم على فكرة الولاية.

لو منعت الجماعة شرف الدين من التوقيع لأظهرت تشددها تجاه شركاء الحوار، وقمعها لآراء من انضموا إليها ومثلوها فيه بشكل يحد من إقبال آخرين على الانضمام إليها لاحقا، ولو قالت إنه يتناقض مع رؤيتها لكشفت نفسها بوضوح، ولو تركته لمضى في درب مختلف لما تريد، وإذا أثبت جدارة ذلك الدرب الذي انتهجه وحظي بقبول من الآخرين، لمثل خطرا على رأس الجماعة، خاصة وهو من أسرة شرف الدين التي لها تاريخ سابق في الحكم، ولها مكانة في الأسر التي تؤمن بانتمائها لسلالة البطنين، إن تصفية شرف الدين ستقدم الجماعة كطرف تعرض للظلم والتصفية من قبل خصومه المجرمين الذين لم يصدقها الناس أنهم كذلك، فكان القرار كش شرف الدين.

الدكتور محمد عبدالملك المتوكل بكل تاريخه السياسي ودعواته المتكررة للدولة المدنية، وانتقاداته لسياسات الجماعة، وهو الذي لم يكن ضمن هيكلها التنظيمي عموما، وإنما تقارب معها في بعض الرؤى وحسب عليها طائفيا وأسريا لانحداره من أسرة المتوكل التي تتمتع بوضع ومكانة قريبة من وضع ومكانة آل شرف الدين، ولو جاهر الدكتور المتوكل برفض سياسات الجماعة وتحول إلى خصم لها وهو المعروف بتقلب مواقفه تبعا لآرائه فإنه سيمثل خطرا مثيلا لخطر شرف الدين أيضاً، كش متوكل.

المثال الثالث هو الدكتور المرتضى بن زيد المحطوري الذي كان قد اشتكى من إغلاق الحوثيين لمراكز دينية تابعة لمركز بدر العلمي الذي يرأسه، بمجرد وصولهم إلى منطقة حرف سفيان حيث أغلقوا مراكزه هناك لتعارضها مع نظريتهم الدينية الجديدة التي اعتسفوا المذهب الزيدي لتبريرها.

المرتضى لا يقف موقف حسين الحوثي من الصحابة، فهو يجلهم ويقدرهم كما قال في أكثر من مقابلة تلفزيونية وصحفية، وهو حريص على نقاء المذهب الزيدي من شوائب الجارودية والشيعة الاثنى عشرية، وفي نفس الوقت فإن جهده في تدريس المذهب الزيدي تمت في المركز بصنعاء وليس في الأطراف كصعدة التي انطلق منها الحوثيون، وهذا يعني اتصالا أقوى بالنخبة الزيدية، واليمنيين عموما.

المرتضى رجل معارض بطبعه ولا يخضع لما يتعارض مع قناعاته، وهو أيضًا يتمتع بحضور كبير في أوساط الجغرافيا الزيدية ورموزها، ولا يقل مركزه ومكانته عن المتوكل وشرف الدين، ثم إن تطورات المشهد في مارس 2015 كانت تحتاج تطورا دراميا ذا طابع عنيف يستغله الحوثيون لمحاربة داعش والقاعدة التي وصفوا بها أبناء تعز يومها.

في هذا الوضع، فإن الأجندة معرضة للخطر وتستحق ضرب أكثر من منافس بداعش واحد، وكان أن انتهت لعبة التقارب مع المحطوي بكش محطوري.

ثلاث شخصيات أكاديمية ذات حضور وتاريخ يسبق الحوثيين، ويختلف عنهم منهجية ورؤية وفكرة، بغض النظر عن نقاط الالتقاء معهم فلم تشفع لأحد في أي يوم، كلها لقيت مصرعها بشكل غامض واستثمرت الجماعة تلك الحوادث لتلميع صورتها وتجريم خصومها، بغض النظر عن حقيقة الطرف الذي وقف خلف عملية تصفيتهم في الواقع.

كم هناك من الشخصيات الأكاديمية داخل صفوف الحوثيين تشبه هذه الشخصيات، ولماذا تمت تصفية كل منهم في لحظة تحول وتسجيل انتقالة جنون جديدة للحوثيين؟

لماذا تمت تصفية القيادي الحوثي يحيى موسى المتوكل في ذمار، ولم تتم تصفية الطاووس أو أبوعقيل وهم أكثر نفوذا وتشددا وفسادا وخصومة تجاه المختلفين معهم من مجتمع ذمار؟

لماذا تمت تصفية عبدالكريم جدبان ولم تتم تصفية يحيى الحوثي مثلا وهما من أعضاء البرلمان الذين أعلنوا انتماءهم للجماعة معا، وكان يحيى الحوثي أكثر أهمية من جدبان كهدف بالنسبة لخصوم الجماعة؟

لماذا تمت تصفية الدكتور راجي حميد الدين، ولم تتم تصفية عبدالله الشامي الأكثر نفوذا وتأثيرا في التعليم العالي، ألم يكن للأخير لهجة مترفعة مع الهاشميين أنفسهم باعتبار أنه ينتمي لآخر أسرة سلالية من الأئمة الزيديين، أي أنه أحق بالحكم والسلطة والقرار من عبدالملك الحوثي؟

ألم يكن عبدالكريم الخيواني الذي قرأ الإعلان الدستوري للجماعة مستحقا لوزارة الإعلام أكثر من احمد حامد خريج مؤسسة زيد مصلح الذي لا يعرف شيئا عن الصحافة ليتولى منصب وزير الإعلام ثم مديرا لمكتب الرئاسة، أو لمنصب الناطق الإعلامي للجماعة أكثر من محمد عبدالسلام فليتة، لكنه ذو مواقف متقلبة لا تأمن الجماعة تبعيته لها على الدوام دون إثارة مشاكل ومتاعب لقياداتها؟!

ألم يكن محمد علي الحوثي متخوفا بشدة من نفوذ طه المداني ومركزه، وقربه من عبدالملك الحوثي على مركز الأول بصنعاء، خاصة بعد توليه الملف الأمني حصريا، وعدم قدرة محمد الحوثي على استخدام نفوذه وصفته كرئيس للجنة الثورية للجماعة ضد المداني لأنه متصل مباشرة بعبدالملك؟!

لماذا تم تأجيل إعلان مقتل المداني عاما ونصف العام، وتقديم ثلاث روايات مختلفة لمكان قتله، من أبين إلى الجوف إلى دمت التي روى أحد مرافقيه أنه قتل فيها على يد نقطة تابعة للحوثيين وعلى علاقة بمحمد علي الحوثي؟!

وأخيرًا، ألم يكن الوصول إلى مهدي المشاط أسهل من الوصول إلى صالح الصماد، مهما كانت الجهة التي قامت بقتله فعلا؟!

تصفيات غير مأموني الجانب والرموز المنافسة لمن أريد له أن يكون في مقدمة الجماعات الدينية المتشددة، سياسة بدأت بتصفية الدكتور علي شريعتي قبل ثورة الخميني بعامين، بعد أن عارض الرجل بوضوح وقوة خطاب المذهب الخميني وانتقده وفند أطروحاته، وهو أحد المؤمنين به أي أنه معارض من الداخل كما هو حال كل من تمت تصفيتهم من الحوثيين، ويشبه شرف الدين في طرحه لمفهوم الدولة، والمحطوري في إغلاق مراكزه في حسينيات مشهد، والمتوكل في نشاطه الفكري والأكاديمي، وتم استغلال تصفيته إعلاميا لرفع حدة الخصومة مع نظام الشاه عدو الخميني يومها، بنفس طريقة توظيف تصفيات المتوكل وشرف الدين والمحطوري وغيرهم ضد الآخر في اليمن، كما تم توظيف اغتيال شريعتي ضد الشاه.

بفارق زمني بسيط على تصفية شريعتي قام الخميني بالتعاون مع القذافي بالتخلص من موسى الصدر لأنه لم يؤمن بولاية الفقيه التي طورها الخميني إلى نظرية سياسية كاملة تتناسب مع مشروعه الطائفي في إيران والمنطقة.

كان موسى الصدر رمزا للمسلمين الشيعة أقوى حجة وحضورا من الخميني، ولأنه عربي فإن فرضية ارتباطه بالنبي وعلي بن أبي طالب أقوى، لذلك أرسل الخميني وسيطا للقذافي لإقناعه بمبدأ ولاية الفقيه والانخراط في مشروع ثورته ضد الشاه، وعندما فشل الوسيط بتحقيق المهمة، تم طلب تصفيته من القذافي قبل مغادرة طرابلس، وأثبتت هذه الحقيقة تقارير دولية قبل أشهر بناء على اعترافات شخصيات مقربة من القذافي حينها، وبعد أن تباكى الخميني وحسن نصر الله على إخفاء موسى الصدر لعقود، ولاحقا أكدت مواقف القذافي الموالية للخميني في موقفه من الرئيس السادات، وفي حربه مع صدام حسين.

المزيد من التركيز على تطورات المشهد، وتوازنات أجنحة الجماعة، وخلافاتهم، والمصالح السافرة أمامهم، وارتباطاتهم الخارجية وطبيعة مشروعهم، ستكشف هذه الأمور ببساطة لأي منصف وغير متعصب بشكل أعمى لولاية الفقيه ومزاعم التفضيل والاصطفاء الإلهي، وهذه مجرد شواهد وليست كل الحقيقة.

│المصدر - نيوز يمن

أضف تعليقـك